مجزرة مخيم ضبية.. بأيادٍ عربية ع

lorette.shamiyeh 2 اسابيع مجزرة,مخيم,ضبية..,بأيادٍ,عربية,ع
مجزرة مخيم ضبية.. بأيادٍ عربية ع

مجزرة مخيم ضبية.. بأيادٍ عربية عام 1975

بقلم إياد حداد

وُلدت في مخيم الشهيد حنا عيد، مخيم ضبية للاجئين الفلسطينيين. منفى اخر للفلسطينيين خارج وطنهم الحبيب فلسطين. لا افتخر بالقول أنني وُلدت في المنفى، ولكني أجد أنه من الفخر أن أقول، بانني ولدت في المخيم الذي تم تغيير اسمه، ليحمل اسم ابن عمتي الشهيد حنا عيد. هذا هو نفس المخيم الذي هو منزل شهداء كثيرين ضحوا بحياتهم من اجل تحرير فلسطين، كامثال الشهيد منير صباغ ايضاً. وهذه شهادتي على مجزرة مخيم ضبية من قبل ميليشيات اليمين المتطرف اللبناني، الذين يدَّعون انهم حراس المسيحية.

بعد الانتهاء من مجازر السبت الأسود ومجزرة الكرانتينا الفظيعة في العام 1975، قام مجرم الحرب بشير الجميل من حزب الكتائب اللبنانية، الى جانب حزب الاحرار الذي اسسه كميل شمعون، وبمشاركة عصابة المجرمين (حراس الأرز)، قام بشير شخصياً بقيادة هجوم على مخيم ضبية، الذي كان يسكنه حوالي 3000 من اللاجئين الفلسطينيين المسيحيين المُسالمين والعُزَّل. انذاك كان شعار حراس الارز السيئ السمعة "يجب على كل لبناني ان يقتل طفلاً فلسطينياً". في ذلك الوقت لم يكن في المخيم مسلحين رسميين سوى ثلاثة من رجال الشرطة الفلسطينية (الكفاح المسلح). كانوا مسلحين بمسدسات واسلحة خفيفة وفقاً لاتفاق القاهرة لعام 1969. كان هناك عدداً قليلاً من المسلحين الغير رسميين من سكان المخيم التابعين للتنظيمات الفلسطينية. فكانوا مسلحين ببعض الاسلحة الخفيفة، مثل المسدسات والقنابل اليدوية، فقط للتظاهر ولترسيخ الهوية الفدائية الفلسطينية، بما انه مخيم فلسطيني. المخيم يقبع على تلة بالقرب من الطريق المؤدي الى بيروت من جونية. ويبعد حوالي المئة كيلومترعن الحدود الفلسطينية، وسكان المخيم لم يكن لديهم أي خلاف مع اخوانهم اللبنانيين المجاورين لهم. إلى جانب ذلك كان المخيم يُعتبرضعيفاً استراتيجياً، لأنه كان مثل جزيرة صغيرة في وسط البحر، ولم يكن للمخيم سوى مدخلاً واحداً، وهي الطريق المعبدة الوحيدة التي تعبر في وسط ضبية، وهذه هي البلدة اللبنانية المسمات من قبل سكان المخيم ضبية التحتا. ولهذه الاسباب لم يُستخدم المخيم لأي اغراض عسكرية. اللبنانيون كانوا يعرفون هذه الحقيقة، والفلسطينيون كانوا يعرفون ذلك أيضاً.

قامت المليشيات المسيحية اللبنانية بقيادة بشير الجميل شخصياً بمحاصرة وقصف المخيم بشكل كبير على مدى خمسة ايام، كما لو كان المخيم قلعة عسكرية. حتى كنيسة المخيم (كنيسة القديس جرجس) لم تسلم هي الاخرى من بطش اليمين المتطرف اللبناني. لقد قُصفت هذه الكنيسة بالمدافع ولم يُراعوا حرمتها. قُصفت الكنيسة بقذفية مدفعية مخلفةً فجوة في سقف الكنيسة، وانفجرت قذائف اخرى في باحتها. كما قُصفت المدرسة ايضا بعدد هائل من القذائف المدفعية والصواريخ. بيوت المخيم الهشة لم تسلم ايضاً، فقُصفت وتدمر العديد منها.

انذاك لم يكن لدى القيادة الفلسطينية اي وسيلة للدعم او الدفاع عن المخيم كما اُعلن على الهواء على الراديو. الدعم الوحيد الذي تم تقديمه كان معنوياً، وكان عبارة عن بثٍ اذاعي في شكل عبارات تضامن، والتي قام بها شخصياً فاروق القدومي (عضو اللجنة المركزية الفلسطينية). في اخر يوم من الحصار، سيطرت قوات بشير صباحاً على المخيم. فبعد استسلام المخيم، تم جمع السكان في حقلٍ موحلٍ بالقرب من المخيم. هذا الحقل كان سابقاً معسكراً للجيش الفرنسي، وكان يُعرف من قِبل سكان المخيم باسم ملعب الإشلي، لان سكان المخيم استخدموه كملعب لكرة القدم. تم احتجاز سكان المخيم ليومٍ كاملٍ من الفجر حتى غروب الشمس دون أي ماء أو طعام. بعد تجميع السكان في ملعب الإشلي، أمر بشير رجاله بان يفصلوا النساء والأطفال على جانب، قرب زريبة الحاسباني وقطعة الارض التي اشتراها عمي الياس المعروف باسم ابو عيد. اما الرجال فقد فُصلوا في الجانب الآخر المقابل لمقهى المدعو فضل جبران (الجبران)، على جانب ما كان يُسمى شارع الدير. كما ان بشير الجميل امر شخصياً بحفر حفرةً كبيرة جداً في وسط الملعب بالجرافات، بينما كانت جرافات اخرى في حالة تأهب لجرف المخيم. كان الهدف من الحفرة، هو لاستخدامها كمقبرة جماعية لسكان المخيم، طبعاَ بعد قتلهم. لذلك ركع بعض النساء والاطفال لِيُصَّلون صلاتهم الاخيرة. وفي الوقت نفسه قام البعض من ميليشيات بشير بانتقاء بعض الرجال لاستجوابهم وتصفيتهم، بينما قامت مجموعة اخرى من ميليشيات بشير(من عكار خاصةً)، قاموا بنهب وسرقة البيوت الفلسطينية في المخيم. فلم يكن مستعصياً على سكان المخيم رؤية رجال بشير وهم يقومون بتحميل الأشياء المسروقة على شاحناتهم. حتى ان بعض رجال بشير العكاريون سرقوا الدجاج، الذي كان يربيه بعض سكان المخيم.

في ما بينما كانت الجرافات تقوم بحفر القبر الجماعي، جاء شقيقه امين الجميل ومعه بعض رجال الدين المسيحيين. لم يُسَّر بشير لرؤيتهم. وبما ان صمت الموت كان مخيماً على جميع اهالي المخيم، فكان من السهل سماع بشير يشتم ويسب بصوتٍ عالٍ من كثرة غضبه. فعقد امين الجميل ووفد الكنيسة اجتماعاً مع بشير. استغرق الاجتماع بضع ساعات. وبينما كان الاجتماع مستمراً، كان رجال بشير يحرسون سكان المخيم. فقام بعض من رجاله بإهانة الرجال وركلهم، حيث كانوا مجمعين كالماشية ومجبرين على الجلوس على الأرض الموحلة في البرد القارص. عدا عن ذلك قام بعض رجال بشير بالبصق على الرجال، ومضايقة النساء بالكلمات البذيقة والتحرش الجنسي بهم، وحتى الاطفال لم ينجوا من ارهابهم او لبطهم لهم. في لحظة ما قام احد رجال بشير بركل احد الاطفال على ظهره، فصرخت ام الطفل قائلة:" ما بتخاف ربك؟ شو ذنبو هالطفل؟ ما احنا مسيحيي متلكو". فأجابها ذاك الرجل الوقح بالقول ، "مسيحكُن لِفلِسطيني اعور" "وعدرتكُن لِفلِسطينية ش..موطة". لبعض الوقت، أصبحت هذه الكلمات مثل شعاراً جديداً للميليشيات المسيحية اللبنانية، بما انها تكررت على لسان أكثر من شخص واحد من ميليشيات بشير الجميل، الذين كانوا من المفترض انهم مسيحيوون. في ذلك الوقت جائت طائرة مروحية تحمل طاقماً اخبارياً من تلفزيون اسرائيل. فاذا برجل من رجال بشير، الذين كانوا يحرسون النساء والاطفال، اشار بيده نحو الطائرة المروحية، وقال بصوتٍ عاليٍ للنساء:" ابتسو يا شْ..اميط، هَوْدي وْلاِد عَمكُن جِاِيين يْصَوروكُن". بعد انتهاء الاجتماع بين امين الجميل واعضاء وفد الكنيسة مع بشير، كان بشير ساخطاً جداً، فعبَّر عن غضبه باطلاق بضع الطلقات من فرده في الهواء. فوضع بعضٌ من الاطفال ايديهم على آذانهم من الخوف. ثم مُجبِراً على نفسه امر بشير رجاله لوقف حفر المقبرة الجماعية وإطلاق سراح السكان. فحطمت بعض الجرافات بعض المنازل في طريقها لخارج المخيم، خاصةً تلك المنازل، التي كانت بالقرب من ملعب الإشلي.

عدد القتلى من اهل المخيم كان يزيد عن الـ 60 قتيلاً فلسطينياً مسيحياً، صغاراً وكباراً ومسنين، الذين ذُبحوا بدم بارد. في وقتٍ سابق وفي حين سقوط المخيم، حاولت مجموعة من الشباب الفلسطينيين، معظمهم من اليافعين، حاولوا الفرار الى مخيم تل الزعتر وبيروت، ليهروبوا من القتل على ايدي الميليشيات المسيحية اللبنانية. فكانت ابعد نقطة تم الوصول اليها، هي مشارف المخيم بالقرب من المدرسة البروتستانتية. فقد بُنيت تلك المدرسة من قبل ثلاث اخوات تبشيرية المانية، ابرزهم المدعوة الست مرتا. كانوا هؤلاء الثلاثة في البصة في فلسطين قبل الاحتلال. فبعد الاحتلال قاموا بلحق اللاجئين الفلسطينيين إلى مخيم ضبية. بالقرب من تلك المدرسة، وما كان يُعرف باسم حي الصنوبر، كانت هناك مباني حديثة وعالية يملكها لبنانيون. مجموعة الشباب الذين فروا انقسمت الى مجموعتين، مجموعة لجأت الى المدرسة البروتستانتية، المعروفه ايضاً باسم المدرسة الإنجيلية، في حين ان المجموعة الاخرى لجأت لاحدى المباني المجاورة المعروفة باسم صاحبها البَيْـر. بما ان البَيْـر لم يكن سابقاً عدوانياً مع سكان مخيم ضبية، قامت زوجته بتخبئة الشباب كي تحميهم من القتل. لكن بأقل من ساعة قام البَيْـر شخصياً بتسليم المجموعتين لميليشيات بشير ليُذبحوا بدم بارد. فقام رجال مليشيات بشير بربط ايديهم وراء ظهورهم باسلكة حديدية، ثم قاموا برشهم جميعاً بالرصاص حتى الموت.

لم يستكفي رجال بشير بقتل الشباب الابرياء، بل حتى قاموا بقطع اذان الموتى وحملها كميداليات، كما تُحمل مفاتيح السجن باطار سلكي من الحديد. بعض سكان المخيم من كبار السن والمرضى والمقعدين لم يكن عندهم القدرة على ان يذهبوا إلى الملاجئ، فلذلك بقيوا باسرَّتهم في بيوتهم، حيث تم إطلاق النار عليهم وقتلهم بها. قُتل اخرون بضربهم على رؤوسهم بالبلطة. على صعيد المثال، واحد من ثلاثة رجال الشرطة الفلسطينية الملقب ابو الهيجا، أُطلق عليه النار عدة مرات، ثم تم قتله بضربة قاضية على رأسه بالبلطة، حيث ان مليشيات بشير كانت تحمل ايضاً البلطات المرسوم على ساعدها ارزة. وتم ايضاً قتل رجل عجوز اعمى مع ابنه المتخلف عقلياً في عتمة الليل، بعدما تاهوا عن طريق الملجأ. هَذين المسكينين تاها بعد ذهابهما إلى المراحيض العامة التي بنتها الانروا في المخيم، بما ان الحكومة اللبنانية لم تسمح للفلسطينيين ببناء مراحيض في بوتهم. والذي يدعوا للسخرية هنا، انه بعد قتل هذا الرجل الاعمى وابنه، قد اعلن رجال بشير انهم قتلوا مسلحين ليبيين. زيادةً على ذلك تم قطع اذانهم ايضاً. هَذان كانا جيراننا، وكما نقول بالفلسطيني ’جيران الحيط بالحيط’. وقُتل رجل آخر بقيادة دبابة مدرعة عليه وهو حياً. وتم اغتصاب فتاة عمرها لا يزيد عن الاثني عشر عاماً من قبل رجال بشير. اغتصبوها حتى الموت أمام أسرتها، ومن ثم أُحرقت جثتها في الفناء الخلفي لمنزلها. تلك الفتاة كانت ابنة صاحب المبنى الحديث الوحيد (البناي) بالقرب من الإشلى في ذلك الوقت. وهذا هو نفس المبنى الذي استخدمه بشير كمقره المؤقت، حيث عقد لقاء مع أمين ومندوبوا الكنيسة، والذي حُول لاحقاً كمركز لميليشيات بشير الجميل. تم ايضاً قتل صاحب دكان صغيرة هو وزوجته المقعده بدم بارد، بعد ان قام رجال بشير بسرقة دكانهما واموالهما. من ثم القى رجال بشير بجثتيهما في الملاجئ الفرنسية القديمة بقرب ملعب الإشلي. بعد بضعة أسابيع تم اكتشاف جثتيهما من قِبل أحد الأطفال، الذين كانوا يلعبون بالقرب من ذلك المكان.

في عشية سقوط المخيم استطاع خوري كنيسة المخيم بصعوبة ان ياخذ إذن لجمع جثث القتلى. فسُمح ايضاً لبعض من سكان المخيم بان يقوموا بالمساعدة. تم نقل الجثث بالسيارات الخاصة بوضعها بشنطة السيارة (الطابونيه). جُمعت الجثث امام مذبح الكنيسة، في حين كانت الجثث ملفوفة بالشراشف البيضاء، لانه لم يكن من الممكن شراء توابيت لهم. بينما كان الاب خوري كنيسة المخيم يقيم الجناز، فاذا بواحد من رجال بشير، والذي كان يتردد على المخيم قبل الهجوم و كان له معارف واصدقاء به ايضاً، لقد قام هذا الوضيع باقتحام الكنيسة مثل الحيوان الكاسر. ثم بعدم احترام قام بتدنيس جثث الضحاية. فقام هذا الوضيع بالدعس على اجساد ورؤوس القتلى، كما انه بصق عليهم وهو يشتم.

بضعة اسابيع قبل احتلال المخيم، قامت مليشيات الكتائب بمحاولة فاشلة لغزو المخيم، وربما كانت محاولة لمعرفة قوة المخيم الدفاعية. فقُتل وقتها اخي راشد حداد، ابن السادسة عشر عاماً. اخي قُتل يوم عيد البربارة الواقع في الرابع من كانون الاول سنة 1975. مساء الجمعة اي يومين قبل اقامة جناز الاربعين يوم لاخي، قامت مليشيات بشير الجميل بمهاجمة المخيم.

هذه بعض اسماء ضحايا مخيم ضبية، الذين قُتلوا على ايدي مليشيات بشير: راشد حداد، أسعد البنا، حبيب جرجورة، ابو جورج وأم جورج الشاعر، أبو الياس العموري وابنه جريس العموري، زيكار عيد، كابي عيد ، أديب المصري، منير ريا، سليم مندوس، أديب الشايب، وثلاثة رجال الكفاح المسلح، احدهم ابو الهيجا والاخر ابو حديد، والاسماء كثيرة.

صورة من مجزرة مخيم ضبية للاجئين الفلسطينيين في لبنان

شارك بكتابة تعليق

قم بتسجيل الدخول لكتابة تعليق

أبحث عن ..