تأمُّل ليلة عيد الصليب

lorette.shamiyeh 1 اشهر تأمُّل,ليلة,عيد,الصليب
تأمُّل ليلة عيد الصليب

13 أيلول 
تأمُّل ليلة عيد الصليب

+ حزن مريم الخامس 
"مريم تحت الصليب تشاهد موت ابنها الحبيب يسوع المسيح أمام عينيها"

فها هوذا نحن الآن نلاحظ بانذهالٍ نوعاً جديداً من الأستشهاد، وهو أن أماً تلتزم بأن تشاهد بإزاء عينيها يموت بحكمٍ ظالم فيما بين العذابات البربرية الشديدة القساوة أبنها البار المحبوب منها فوق كل شيءٍ. فعن هذا الإستشهاد لا يلزم أن نقول شيئاً آخر سوى الكلمات التي دونها عنه القديس يوحنا الإنجيلي نفسه قائلاً: وكانت واقفةً عند صليب يسوع أمه (19 :25)

. هذا ما حدث 
بعد أن رفعوا الصليب ، قد ترك الجنود يسوع معلقاً عليه في تلك الحال ليموت هكذا. فقد أهملوه على هذه الصورة وأمّا والدته البتول فلم تفارقه، بل أنها اقتربت أكثر قرباً من صليبه لتحضر موته. كما أخبرت هي نفسها للقديسة بريجيتا في الوحي قائلةً: أنني ما فارقت ابني يسوع، بل كنت واقفةً بالقرب من صليبه: الا أن القديس بوناونتورا يخاطب هذه السيدة بقوله: ماذا كان يفيدكِ يا سيدتي ذهابكِ الى جبل الجلجلة لتموتي أمام أبنكِ ؟؟!!

قد أخبرت في الوحي للقديسة بريجيتا هذه الأم الإلهية عينها عن الحال التي شاهدت هي بها ابنها في تلك الساعة على الصليب قائلةً هكذا: فقد كان ابني الحبيب على الصليب متعوباً في الغاية مترادف التنفس بأنزعاجٍ، منازعاً مقارباً للموت، وكانت تشاهد عيناه غائرتين في جورتيهما وهما نصف مطبوقتين، وشفتاه مرتخيتين، وفمه مفتوحاً، ووجنتاه بلونٍ أصفر. ولحمانهما ملتصقةً بأسنانه، وحنكاه يابسين، وأنفه كفي حال الموت، ووجهه مقطباً كئيباً، ورأسه كان يلاحظ منحنياً نحو صدره، وشعره أسود مصبوغاً بالدم، وبطنه لاصقاً بظهره. وذرعاه وساقاه موترةً بأشدادٍ. وسائر أعضاء جسده مملؤةً جراحاتٍ قاطرةً الدماء

. القربنان الأعظمان
فعذابات يسوع هذه كلّها قد كانت هي عذابات مريم أيضاً والدته. كقول القديس أيرونيموس: أن جميع الجراحات التي كانت في جسم يسوع فهذه وجدت في قلب مريم: ومن ثم يقول القديس يوحنا فم الذهب: من أمكنه أن يكون حاضراً حينئذٍ عند جبل الجلجلة فقد كان يستطيع أن يشاهد هناك مذبحين مقدماً على كل منهما القربان العظيم، فأحدهما في قلب يسوع وثانيهما في قلب مريم والدته: الا أنه يظهر لي أكثر ملائماً ما يعتبره القديس بوناونتورا مذبحاً واحداً مقدماً فوقه القربانان معاً، وهو مذبح الصليب المقدس الذي عليه جملةً مع الذبيحة التي بها قدم فوقه الأبن ذاته ضحيةً كحملٍ لا عيب فيه، قد ضحت ذاتها هذه الأم الإلهية أيضاً !

كانت تشتهي أن تعانقه بين يديها ليمكنه أن يجد قليلاً من الراحة، أم أن يعطى لها أن تأخذه في حضنها ليموت على ركبتيها، ولكن لم تكن تحصل على ذلك (كما كتب القديس برنردوس) وكانت تلاحظ جيداً كيف أن يسوع الغائص في بحر الآلام والأحزان كان يطلب تعزيةً ما ولم يجد، حسبما قد كان هو تعالى سبق وقال بفم نبيه أشعيا: دُست المعصرة وحدي... كما نظرت حولي ولم يكن معينٌ وطلبت فلم يكن ناصرٌ (ص63: 3و5)

. الألم الأكبر لمريم تحت الصليب
الا أن الشيء الذي أحزن قلب هذه الأم الإلهية أشد حزناً، وأوعبها من مرارة التألم والتوجع بأبلغ نوع من كل ما سواه، هو سماعها أبنها الحبيب متشكياً من أن أباه الأزلي عينه قد كان أهمله، بنوع أن: يسوع صرخ بصوتٍ عظيمٍ قائلاً إيلي إيلي لما صافختاني: الذي تأويله إلهي إلهي لماذا تركتني: (متى ص27: 46) فهذه الكلمات قد جرحت فؤاد مريم البتول جرحاً هكذا عظيماً، حتى أنه، حسبما أوحت هي للقديسة بريجيتا لم يكن يبرح من فكرها ذكر تلك الكلمات مدة باقي أيام حياتها

. ألم يسوع الأكبر 
كتب القديس برنردوس قائلاً: التألم الذي كان يوعب قلب مريم مرارةً، فهذا عينه كان يفجع قلب يسوع ويطعنه بالحزن. ويقول في محلٍ آخر: أن المسيح وهو على الصليب قد تألم من قبل حزنه وتوجعه على والدته أشد تألماً من عذاباته كلّها. فهكذا يتكلّم هذا القديس عن لسان البتول قائلاً: أنا كنت واقفةً بالقرب من صليب أبني ناظرةً إليه، وهو كان ناظراً إليَّ، ولكنه كان يتألم من أجلي أكثر تألمه من قبل أوجاعه !!

. صمت مريم ودورها في الخلاص
إن الأنام الذين كانوا يشاهدون حينئذٍ مريم في تلك الحال صامتةً، فكانوا ينذهلون من سكوتها وعدم تشكيها بكلمةٍ ما في أوقات آلامها هذه الفائقة الأحتمال. ولكن اذا كانت هي وقتئذٍ ساكتةً بفمها فلم تكن صامتةً في قلبها. لأنها في تلك الأوقات ما صنعت هي شيئاً آخر سوى تقدمتها بتكرارٍ لدى العدل الإلهي حياة أبنها من أجل خلاصنا". ولهذا نحن نعلم أنها قد أكتسبت هي بأستحقاقات أوجاعها وأحزانها المشار إليها صفة: مشاركة في عمل خلاصنا: أي في أن نولد جديداً في حياة النعمة. وبالتالي نحن هم أولاد أوجاعها

+ صلاة
إني أحزن معكِ أيتها الأم الحزينة لسبب عذاب الإستشهاد الذي كابده قلبكِ الباسل (الشجاع) في وقوفك حذاء (تحت) يسوع وقت نزاعه على الصليب. فيا أمي الحبيبة بحق قلبك المكروب للغاية استمدّي لي فضيلة القناعة وموهبة المشورة.

شارك بكتابة تعليق

قم بتسجيل الدخول لكتابة تعليق

أبحث عن ..