شهادات مزورة في أعلى المناصب.. وأخرى حقيقية ومُغيّبة بفعل فاعل!

lorette.shamiyeh 3 اسابيع شهادات,مزورة,في,أعلى,المناصب..,وأخرى,حقيقية,ومُغيّبة,بفعل,فاعل!
شهادات مزورة في أعلى المناصب.. وأخرى حقيقية ومُغيّبة بفعل فاعل!

سليمان أمين

 أُطلق مشروع الإصلاح الإداري قبل أكثر من عام، ومن المثير أن يتزامن الحديث عنه مع الحديث الجديد والمتجدد عن الشهادات الجامعية المزوّرة، وخاصةً شهادات الدكتوراه التي لطالما كانت سلاحاً ذي حدّين… فهي ورغم أنها نظامية ومحققة للشروط العلمية والقانونية الكاملة حسب قوانين البعثات العلمية ومجلس التعليم العالي، فقد تودي بصاحبها إلى التهلكة الوظيفية ضمن بيئة إدارية لا تعرف المنافسة الشريفة، وذلك لأغراض التسلّق والحصول على ما لا يملكه بعض ذوي الرُّتب الوظيفية والسلطوية غير العلمية من مزايا السيطرة داخل الوظيفة، وبالتالي فسياسة هؤلاء تتلخص في بناء السدود الحكومية في وجوه أصحاب الشهادات العليا النظامية واضطهادهم وتشويه سمعتهم بكل الأساليب التي أتقنها هؤلاء المنافسون خلال فترة صعودهم على السلّم الوظيفي.

الدال موضة مجتمع اللاقانون

إن انتشار موضة «الدكتره» غير النظامية من خلال الحصول على شهادات دكتوراه مزورة بمقابل مالي، أو شهادات رخيصة على شكل هدايا من دول مشهورة في هذا المجال كباكستان وكازاخستان ورومانيا، دفع بعض الطامحين بمناصب ومراتب عليا في الدولة إلى هذه الوسائل اختصاراً للمدة الطويلة التي يقضيها الطالب النظامي، للحصول على أعلى شهادة علمية، وتكمن المشكلة الأكبر في الثقة الكبيرة بالنفس لأولئك الحاصلين على تلك الشهادات المخالفة، فيصدقون أنفسهم في كل مناسبة ويشرعون في تقمُّص شخصية المختص. لكن الأهم بالنسبة إليهم هو شغل المنصب الذي اضطرهم لشراء شهادة أو تسوّلها من جامعات الدرجة الخامسة في العالم، ولم يكن أمين فرع ريف دمشق المعزول، الأول في هذا المجال ولا الأخير، بل سبقه إلى تلك الحيلة أشخاص اعتباريون كثيرون شغلوا مناصب علمية وإدارية فائقة الحساسية مثل وزير، ومعاون وزير، وأستاذ جامعي، ورئيس لجنة علمية معينة لمدة تقترب من عقدين، مدير عام، معاون مدير عام…إلخ…

هذا فضلاً عن أولئك الذين لا يحملون الشهادات المطلوبة ويوضعون في مسؤوليات علمية تتطلب شهادات عليا تخصصية، ونعتقد أن رئاسة مجلس الوزراء قد أزاحت عن كاهل هؤلاء كل الإحراج، العام الفائت بإصدارها لقرار يجيز لمعاون الوزير أو المدير العام وغير ذلك من المسؤوليات الكبرى، أن يشغل تلك المناصب بموجب إجازة جامعية لا أكثر…

ولعل ذلك يذكّرنا بأربعينات القرن الماضي حين كان الحاصل على الشهادة الإعدادية سيد المتعلمين في بعض المناطق، فما بالنا اليوم وشهادات الدكتوراه النظامية تملأ البلد منذ عام 1970، حيث شهد موضوع إيفاد الطلبة السوريين إلى الخارج للحصول على شهادات عليا تطوراً هائلاً.

أين المنظومة الإدارية

 بكل الأحوال فالمنظومة الإدارية المكلّفة بإدارة مؤسسات الدولة تقع في مجلس الوزراء والهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، فهي المنظومة المسؤولة عن وجود شهادات مزورة ضمن المؤسسات لسبب بسيط، وهو عدم إحالة الشهادات التي يتقدم بها الموظفون في المؤسسات إلى الجهات المانحة لتلك الشهادات على اختلاف درجاتها، فجميعنا يعلم أن التأكّد من صحة شهادة البكالوريا على سبيل المثال لا يتطلب أكثر من مراسلة بسيطة مع إدارة الامتحانات في مديرية التربية لكل محافظة، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الإجازة الجامعية التي توجد تفاصيلها في قسم شؤون الطلاب والامتحانات في رئاسة كل جامعة، أما شهادات الدكتوراه النظامية، فلها مرجعية إدارية وعلمية معروفة وهي مجلس التعليم العالي في وزارة التعليم، ولن يقوم موظف المجلس بجهد كبير لمعرفة إن كان صاحب الشهادة نظامي أو لص، وخاصة بالنسبة إلى الشهادات الأجنبية الأكثر رواجاً بين المحتالين. فشهادة الدكتوراه الأجنبية أو العربية أو المحلية لا يمكن تفعيلها في مؤسسات الدولة من دون الحصول على تعديل وظيفي وعلمي في مجلس التعليم العالي، الذي يمنح المتقدم بياناً بمطابقة شهادته لمواصفات التعليم العالي والشهادات التي تمنحها جامعات القطر، إذا حقق الشروط القانونية والعلمية المطلوبة، وهي لائحة كبيرة جداً من الثبوتيات. فوزارة التعليم العالي لا تقوم بإصدار قرار التعادل إلا بعد التأكد من صحة الشهادة، فيتم إرسالها إلى سفاراتنا في بلدان الدراسة، والتي بدورها تحيلها إلى الجهة مصدر الشهادة للتأكد من صحة صدورها، ومن صحة المعلومات، هذا إذا كان التعادل بناء على طلب شخصي، أما إذا كان بناء على طلب جهة رسمية فيصدر القرار لهذه الجهة ويتم تحديد الغرض من هذا التعادل، ومن ثم يتم التأكد من صحة الوثائق بنفس الإجراءات المذكورة، وفي حال كشف أية حالة تزوير فإن صاحب العلاقة يتحمل كامل المسؤولية، وكل التبعات القانونية والإدارية الناجمة عن ذلك التزوير، لأن ذلك يمس الأمن الوطني التعليمي، ذلك أن عملية معادلة الشهادات هي بمثابة عملية حفاظ على الأمن العلمي الوطني الذي يتعلق بحياة الإنسان ومستقبله وإيجاد المكافئ الأكاديمي الذي يعد من أولويات العرف الوطني السوري، والأهداف التي تتطلع إليها وزارة التعليم العالي.

إذاً، كيف يطمئن بعض المخالفين في مؤسسات الدولة رغم وجود هذا الشرط الوظيفي؟!

إن أول من يجب مساءلته في حالة وجود مخالفات من هذا النوع هو «رئيس الذاتية» في كل دائرة بموجب احتفاظه بأضابير العاملين، وبالطبع فحين يتواطأ رئيس الذاتية مع المتورط، يجب أن نعلم أن المسؤول الأعلى في الدائرة متواطئ أيضاً، وهنا فـلص الشهادة العليا لا يشتري شهادته من المزوّر فحسب، بل من كل من يعرف ويجب أن يعرف.

دكتوراه وهمية!

خلال سنوات الأزمة تفاقم هذا الموضوع بما يمكن إدراجه ضمن المؤامرة على البلد، وبعض الأمثلة الإعلامية التي تتحدث عن «شيوخ كار» في هذا المجال، أشارت إلى تواري بعض المتورطين عن الأنظار الآن، وبالعودة إلى سيرة عمل أولئك وشهرتهم خلال السنوات الماضية، فهي تؤكد فشل القانونيين في مجلس الوزراء في إدارة أبسط ملف في مؤسسات الدولة. فأحد الحاملين لشهادة دكتوراه مزوّرة وهو خرّيج ثانوية كان يعمل بصفة مستشار لدى رئاسة مجلس الوزراء وحاصل من هذا المجلس على بطاقة تعريف بذلك، مما أتاح له الظهور على كل القنوات التلفزيونية المرخصة في البلاد كخبير ومحلل اقتصادي وسياسي!!

كما أُتيح له مؤخراً التدريس في جامعة خاصة، ربما لأنه لم يشأ التدريس في جامعة حكومية! وفضلاً عن ذلك فقوة شهادته الأجنبية المزورة ومتانة غطائها، والتي كان يلتقط معها صور السلفي دائماً، أتاحت له الاطلاع على مراسلات بعض الوزراء من فوق مكاتبهم، وما هذا سوى مثال لحالات كثيرة موجودة في أروقة الوزارات، والمؤسسات التعليمية، والحكومية وغيرها.

في مكان آخر يتكرر ذات الأمر، فأحد المعاهد التقنية في اللاذقية يديره أحد أصحاب هذه الشهادات المشتراة من إسبانيا وأوكرانيا وغيرها.

 وخلاصة القول، إن هذا الموضوع من المواضيع الخطيرة، ولنقل إنه على الحكومة أن تنصف أصحاب الشهادات الحقيقية أولاً، ولن يجد بعد ذلك لصوص الشهادات، مكاناً لهم في مؤسسات الدولة، وخاصة العلمية منها، والتي وصل بعضها في أحدث وآخر الأمثلة، إلى حالة وجود عدة مديريات مركزية ودوائر تخصصية في وزارة الثقافة وغيرها من الوزارات يديرها عاملون غير متخصصين، أو لا يحملون الشهادات العليا المطلوبة. في الوقت الذي تصدر فيه رئاسة مجلس الوزراء قرارها المؤسف والقاضي بعدم الموافقة على إعادة العاملين الذين تجاوزوا سن الخمسين، والمنقطعين عن العمل في الدوائر الحكومية، لأسباب مختلفة وظروف معينة خارجة عن إرادتهم، مثل الصرف التعسفي والكيدي من الخدمة، أو اعتبار البعض بحكم المستقيل نتيجة تغيّبه عن الوظيفة لأسباب قاهرة وما أكثرها خلال الأزمة.

ومع انتهاء الظروف القاهرة ورفع بعض ضحايا الكيدية والتعسف طلبات العودة إلى العمل كمصدر رزق وحيد، تجود الحكومة بقرارها غير المنطقي والظالم والقاتل للخبرات. وكلنا يعرف أن العامل في الدولة بعد سن الخمسين يكون قد امتلك من الخبرات العلمية والإدارية ما لا يمكن أن يملكه العامل الجديد، ولعل الخسارة الكبرى في القرار المذكور هو أنه يحرم البلاد من الكثير من الخبرات والتخصصات العلمية التي يبدأ أصحابها بالإبداع الفعلي بعد سن الخمسين، فمن سيوظف هؤلاء بعد هذا السن، ومن سيتحمل تبعات حرمانهم وعائلاتهم من الرواتب الشهرية ووسيلة العيش؟!

ألا يعد ذلك نوعاً من العقوبات الجماعية التي تشمل الموظفين المعنيين وأسرهم وأطفالهم والمجتمع بأسره؟! وما يزيد هذا الموضوع ألماً في قلوب المطلعين عليه، هو أن بعض الوزارات والدوائر لا زالت تعيد توظيف بعض من تقاعدوا بموجب الولاءات الشخصية، ولدينا بعض الأمثلة التي تؤكد ذلك، مع يقيننا أن غرفة التحكّم في رئاسة مجلس الوزراء تستطيع كشف الحالات المخالفة خلال ساعات فقط، من خلال سبر بسيط لمفصَّل هويات العاملين في مؤسسات الدولة والجاري دفع رواتبهم وتعويضاتهم ومكافآتهم حتى تاريخه.

شارك بكتابة تعليق

قم بتسجيل الدخول لكتابة تعليق

أبحث عن ..