البطريركية الانطاكية والاستعمار العثماني والفرنسي

lorette.shamiyeh 4 اشهر البطريركية,الانطاكية,والاستعمار,العثماني,والفرنسي
البطريركية الانطاكية والاستعمار العثماني والفرنسي

البطريركية الانطاكية والاستعمار العثماني والفرنسي
قدم الحكم العثماني لبلاد الشام التسهيلات للتبشير البابوي المنتظم الذي كان قد فرغ لتوه من وقف المد البروتستانتي اللوثري في الإمبراطورية الجرمانية المقدسة ومن كثلكة أرثوذكس القسم الجنوبي من إيطاليا إضافة إلى فينسيا وألبانيا. وكانت الإرساليات التبشيرية البابوية (اليسوعية – الكرملية . . .) قد جعلت من القسطنطينية عاصم"ة ملة الروم " مركزاً رئيساً لعملها باستقطاب أرثوذكس كراسي أنطاكية والقسطنطينية . . . مع الكنائس الشرقية للكثلكة. وقد أقامت المدارس و المشافي والمياتم ومأوى الغرباء تسهيلاً لعملها الذي ما لبثت أن مدته إلى سائر مناطق الكنائس الأرثوذكسية والكنائس الشرقية.
وقد استغلت هذه الإرساليات اندفاع أبناء الأرثوذكس لتلقي العلم في أوربة فتبنت العديد من الأولاد النجباء وأرسلتهم إلى كلية القديس أثناسيوس اللاهوتية في الفاتيكان التي أفتتحها البابا غريغوريوس الثالث عشر عام 1577 (وكان يسوعياً متشدداً) وبنى فيها عام 1581 كنيسة جعل الخدمة الإلهية فيها باليونانية، وكانت النتيجة صيرورة الأرثوذكس الذين درسوا فيها أرثوذكساً بالاسم عدا من اعتنق الكثلكة منهم وجاهر بها بعد عودته إلى بلاده وأصبح من أهم دعاتهم وكان أولهم مطران صيدا افتيموس صيفي الذي أعلن إيمانه الكاثوليكي حال رسامته على صيدا واعترف به البابا كأول أسقف كاثوليكي عام 1700 في الكرسي الأنطاكي. وكان واقع الكرسي الأنطاكي المقدس آنذاك رديئاً جداً كواقع أبنائه الذين خضع بعضهم لإغراءات المبشرين المادية مما حدا بالبطاركة والمطارنة الأرثوذكس إلى التوجه نحو أوربة الشرقية الأرثوذكسية لجمع التبرعات والإعانات للوقوف بوجه هذا التغلغل المنتظم بين أوساط الشعب الأرثوذكسي الفقير، وبالتالي لفتح المدارس والمدارس الكهنوتية ووفاء الديون وفوائدها الباهظة التي ترتبت على الكرسي الأنطاكي. وكان البطريرك " مكاريوس بن الزعيم " 1648 قد قام لذلك برحلتين إلى رومانية وروسية والبلقان مع حاشية بطريركية وكانت الأولى من عام 1652 إلى عام 1659 والثانية 1666 – 1669. وقد دوّن ولده " الأرشيدياكن " بولس أحداث هاتين الرحلتين. وأستطاع ابن الزعيم وفاء الديون وتطوير المدرسة البطريركية (الآسية) وتجديد الدار البطريركية وكذلك فعل البطريرك أثناسيوس الدباس الذي أهداه ملك الجبل الأسود مطبعة عربية في أواخر القرن 17 لطباعة الكتب الدينية الأرثوذكسية وكانت أول مطبعة في الشرق.
ولكن مع إطلالة القرن 18 كان التغلغل اليسوعي قد بلغ حده الأعظمي بين أوساط الرعية الأرثوذكسية بدمشق وحلب وصيدا، بالإضافة إلى الرهبنات وكهنة الرعايا، فظهرت الكثلكة واضحة في انتخابات السدة البطريركية أثناسيوس الدباس عام 1724 بعد وفاة البطرك دباس. وقد ارتأى الشعب والأساقفة الأرثوذكس للحفاظ على أرثوذكسية الكرسي الأنطاكي الطلب إلى البطريركية المسكونية إرسال بطريرك يوناني على اعتبار الامتيازات الممنوحة للبطريرك المسكوني التي منحت له لكونه زعيم (ملة الروم).
وقد انتخب المجمع المسكوني راهباً من جبل أثوس يدعى سلبسترس وأصله من قبرص بطريركاً على أنطاكية وأرسله على جناح السرعة إلى دمشق، في حين أن الفريق المتكثلك انتخب ابن شقيقة – أسقف صيدا افتيموس الصيفي – (وهو ربيب اليسوعيين ومدرسة رومه) بطريركاً وأسماه كيرلس طاناس وجرت رسامته بشكل غير شرعي في الكاتدرائية المريمية إلا أن وصول البطريرك الشرعي سلبسترس إلى دمشق جعله يغادرها إلى دير المخلص في صيدا حيث جعله مقراً لبطريركيته وأقام أساقفة وكهنة وجمعيات رهبانية تبشيرية. وقد اعترفت الدولة العثمانية بهذه الكنيسة الشقيقة عام 1833 تحت اسم (بطريركية أنطاكية و سائر المشرق والإسكندرية وأورشليم للروم الملكيين الكاثوليك) واحتفظت بالطقوس الشرقية الأرثوذكسية مع خضوعها في الوقت ذاته لرئاسة البابا.
واستمر الوجود اليوناني على السدة الأنطاكية الأرثوذكسية منذ عام 1724 وحتى عام 1898حيث استعفى البطريرك اسبريدون (من قبرص – من رهبنة القبر المقدس الأورشليمية) نتيجة للضغط الشعبي المتعاظم الذي نادى بإعادة الكرسي الأنطاكي إلى أبنائه، كما كان الوضع. وقد كان البطريرك ملاتيوس الأول (الدوماني) الدمشقي أول بطريرك عربي منذ الدباس عام 1724 م. وكانت باكورة أعماله إعادة فتح مدرسة البلمند الاكليريكية عام 1900. التي كان قد أنشأها الارشمندريت أثناسيوس قيصر عام 1833 في دير سيدة البلمند لتخريج كهنة مثقفين يحافظون على البيعة الأرثوذكسية من الاحتواء الغربي.
واهتم البطريرك ملاتيوس بالمدارس والجمعيات وزار كل الأبرشيات الأنطاكية بما في ذلك أنطاكية والأسكندرونة وكيليكيا عام 1900 وقد استمرت بطريركيته حتى وفاته عام 1906فخلفه على السدة البطريرك غريغوريوس الرابع (حداد) إلى وفاته عام 1928 وهي فترة طويلة عاصر فيها أحداثاً محلية، إقليمية وعالمية جسيمة كان أهمها إعادة الشركة مع الكنائس الأرثوذكسية 1910 ثم ترؤسه احتفالات آل رومانوف في روسيا عام 1913 بناسبة مرور 300 سنة على تملكهم. ثم مجاعة (سفر برلك) 1914 –1928، وموقفه الوطني " بدون تمييز " وقد دعي وقتها " بطريرك الرحمة " ثم موقفه المؤيد للحكم الفيصلي ورفضه للانتداب الفرنسي، لذلك كان على عدم وفاق مع السلطات الفرنسية التي استغلت موته عام 1928 فحاولت تفكيك البطريركية إلى قسمين سوري ولبناني وبالتالي نشوء الأزمة البطريركية بين السيد أرسانيوس (حداد) مطران اللاذقية والسيد الكسندروس (طحان) مطران طرابلس. وقد جرى انتخاب السيد أرسانيوس في دير القديس جاروجيوس الحميراء البطريركي عام 1931 بطريركاً من مجموعة من مطارنة الكرسي، وفي الوقت ذاته انتخبت المجموعة الباقية مع ممثلي الشعب الأرثوذكسي في دمشق والميدان وأنطاكية السيد الكسندروس في المقر البطريركي بدمشق بطريركاً. وقد أفتى ممثلو البطريركيات الأرثوذكسية بصحة انتخاب طحان بطريركاً على أنطاكية استناداً لقانون الانتخاب البطريركي الأنطاكي في عام 1931 مع حق السيد أرسانيوس بلقب بطريرك وبقائه في اللاذقية وبعد وفاة أحدهما يؤول المنصب البطريركي كله إلى الثاني، وقد توفي أرسانيوس عام 1933 حيث بقي الكسندروس بطريركاً، واستمرت بطريركيته حتى عام 1958 حيث خلفه البطريرك ثيوذوسيوس ابورجيلي حتى عام 1969 ثم أنتخب خلفاً له البطريرك الياس معوض عام 1970 واستمر على السدة الأنطاكية حتى وفاته عام 1979 وتلاه غبطة البطريرك اغناطيوس الرابع الذي توفي في 5 كانون الأول 2012 و جنز و دفن في مدفن البطاركة تحت هيكا الكاتدرائية المريمية في دمشق في 10 كانون الأول 2012.
د جوزيف زيتون

شارك بكتابة تعليق

قم بتسجيل الدخول لكتابة تعليق

أبحث عن ..