سليمان أمين: دمشق: تحت قبّة البرلمان… تحت قبّة الوطن! “الدين لله والوطن للجميع”

lorette.shamiyeh 6 اشهر سليمان,أمين:,دمشق:,تحت,قبّة,البرلمان…,تحت,قبّة,الوطن!,“الدين,لله,والوطن,للجميع”
سليمان أمين: دمشق: تحت قبّة البرلمان… تحت قبّة الوطن! “الدين لله والوطن للجميع”

سليمان أمين

منذ ستة أشهر كنا جميعاً على موعدٍ مع لقاء السلطة الدينية بزعامة الشيخ الدكتور “محمد عبد الستار السيد” وزير الأوقاف، بالسلطة البرلمانية المتمثلة برئيس مجلس الشعب السوري المعيّن في شهر تشرين الأول من العام الماضي الأستاذ حمودة الصباغ…وقد حبسنا نحن المواطنين والإعلاميين السوريين الأنفاس ترقُّباً لهذا اللقاء الذي كنا نَنْشُدُ من خلاله وبعده صدور قرارات تسعف الوطن الجريح الذي تعثّر بعض أبنائه نتيجة الفهم الخاطئ والمسيَّر خارجياً لموضوع الدين والشريعة، وتمنينا لو أن اللقاء الذي حضره وفد كبير من السادة علماء دمشق  قد تمت خلاله مراجعة الأداء الديني الوطني (إن صح التعبير) قبل سنوات الأزمة على الأقل، وكيف أن المبادئ والتعاليم الشاذة كانت قد شقت طريقها إلى بعض أبناء هذا الوطن نتيجة الإهمال، ونتيجة تمرير ما كان لا يجب أن يمر من أنشطة دينية كانت محظورة قبل عقد من الزمن…

لكن وللأسف الشديد فقد كان اللقاء المذكور عبارة عن زيارة ودية للتهنئة بمناسبة انتخاب رئيس مجلس الشعب الجديد لهذا المنصب، وكانت هدية السيد وزير الأوقاف ووفد علماء دمشق المرافق للسيد الصبّاغ نسخةً من المصحف الشريف، قُدِّمت له تحت قبة البرلمان… وقد أثارت الهدية تحفُّظ بعض الوجوه الاجتماعية المعروفة، وألهبت بعض صفحات التواصل الاجتماعي بالتعليقات حول مبرر الهدية ومكانها وتوقيتها ومناسبتها، وبينما تمحوَر تحفُّظ أحد الوجوه على التساؤل حول دواعي تلك الهدية ومناسبتها، ثم الخشية غير المبررة  من تلقُّف الأعداء لهذا الحدث واعتبار رئيس مجلس الشعب الجديد قد أسلم باعتباره من الأخوة المسيحيين، وباعتبار أن وزير الأوقاف لم يقدّم مع المصحف الشريف نسخة من الإنجيل فقد تراوحت تعليقات التواصل بين مؤيد للهدية ورافض لها، علماً أن معظمها عبّر بسخرية وتهكُّم واستهتار بالحدث، ومنها ما بالغ بتفسيره وخاض به عبر مذاهب دينية وطائفية كان الحدث بغنىً عنها.

ونحن نرى أن الموضوع لا يحمل حساسية من أي نوع ولا يضير صاحب الهدية فيما لو كانت هديةً شخصيةً تم تقديمها خارج أوقات الدوام والبث الإخباري، لأن الدولة السورية غير مضطرّة للتصريح عن جهة دينية داخل الحكومة، لذا فقد انطوى الموضوع على خطأ سياسي هو ليس الأول في هذا المضمار، فالصورة الإعلامية التي وصلت إلى العالم المراقِب تتلخص في أن مجلس الشعب السوري قد انتخب رئيساً مسيحياً له  وهذا طبيعي في بلد علماني يحتضن أتباع الديانتين المسيحية والإسلامية بطوائفهما ومذاهبهما قبل نشوء مصطلح العلمانية , إلا أن السيد وزير الأوقاف الذي اشتُهر بكونه مسلماً منذ عقود طويلة، شغل فيها “السيد” وحده قرابة عقد ونصف حتى تاريخه , أراد أن يعبّر ووفد علماء دمشق عن الحدث المذكور بطريقته الخاصة رغم أنه ممثل للحكومة، فاختار المصحف الشريف هديةً لرئيس مجلس الشعب الجديد في حركة منه للإشارة إلى تقبُّل المسلمين السوريين لرئيس مجلس شعب مسيحي، لا سيما وأنه  (أي وزير الأوقاف) يثق حتماً بردة فعل الأخير والتي تجسدت بوضع المصحف الشريف على رأسه، مما سيعني للعالم حسب مقدِّم الهدية ومستلمها أن المسلمين والمسيحيين في البلاد في حالة وئام وتفاهم ومحبة…!

وبالتأكيد فلم يأت الاثنان بجديد، وما كان يجب الإتيان بمثل هذه الحركة البريئة التي قد تمثّل اعترافاً وإقراراً  ولو شكلياً بزعمٍ مرفوض يتمثّل بوجود خلاف بين المسيحيين والمسلمين في سورية، ذلك أنهم أخوة وأزواج وأصهار وأقارب منذ سنة634 ميلادية، والعالم كله يعرف ذلك بدقّة، أما الأعداء المخططون لأزمة سورية فقد أوهموا السوريين وغيرهم أن هنالك خلافاً بين المسلمين والمسيحيين، ووظفوا كل أدواتهم الإرهابية المتأسلمة لتكريس وجود هذا الخلاف، فكانت تصرفات ما سُمي بـ”الجيش الحر” و”جبهة النصرة” و”داعش” وغيرها من مئات التنظيمات الإرهابية التي رفعت الشعارات الإسلامية وتسمّت بأسماء رموز المكان والزمان الإسلاميين، كانت تصب في هدف شق الصف السوري الواحد بأطيافه وطوائفه من أجل الوصول إلى الحلم الصهيوني بتقسيم سورية وتحجيم فسيفسائها الحضاري وإخلائها من الكم الأكبر من أصحاب الجذور الحضارية والشهود على تاريخها القديم الموغل في العصور…

ومع الأسف الشديد، فقد تسرّب للبعض وخُيِّل إليه أن من بين أسباب الأزمة السورية خلافٌ ديني مسيحي إسلامي وأن ألوية الإرهاب إنما تعبّر عن شريحة من مسلمي سورية، بل وغالى البعض باعتبار تلك الألوية تمثّل مسلمي سورية، أما كلا الطرفين أي من ربط نفسه بتلك الألوية، ومن ربطه بها فمخطئ بل ومجرم وفي عداد المتآمرين على سورية بالنسبة إلى المواطن السوري الشريف المنزّه عن التحـزُّبات المغرضة المخترقة، فهذا المواطن العادي ابن المسجد والكنيسة والشارع والقرية والمدينة والسوق والمعمل والأرض، كان ولا يزال على طبيعته السمحة وسجاياه الفريدة وخصاله الحميدة لا يميّز بين دينين وطوائفهما، إلا أولئك الذين اختاروا طريقاً بات كلُّنا يعرف بدايته ونهايته خارج الواقع الحقيقي والحياة والوطن.

لذا وبناءً على ما تقدّم لم يكن هناك من دواعٍ لبث صور إلى الشارع السوري تجسّد الوئام الإسلامي المسيحي في سورية من عناقٍ “درامي” بين “الشيخ” و”الخوري” وامتزاج “غرافيكي” بين الهلال والصليب و”مكساج” خلفي لصوتيْ الأذان والجرس وحضور أزياء “إسلامية” في احتفالات الكنائس وتقديم المصحف هديةً حكوميةً ووضعه على رأس رئيس مجلس الشعب، لأن هذا البث حقيقي وواقعي أصلاً بدون إخراج أو إحراج، ولأنه بأسلوبه غير الناجح يأتي بنتيجة عكسية لدى المواطن الذي يعيش فعلاً الوئام المسيحي الإسلامي، وخاصةً حين يكون البث غير مدروس أو مبتذل الفكرة أو فاشل العرض والتقديم لدرجة اقترابه من الفبركة، أما النتيجة العكسية فهي استقبال بعض المواطنين لتلك الصور على أنها تعكس وجود خلاف مسيحي إسلامي تطلّبَ من إعلام الدولة بثّ ما يُظَنُّ أنه يعيد ذلك الوئام ويؤكّده، مما حدا بالبعض إلى البحث عن مرجعياتٍ لذلك الخلاف المفترض، فكان من بين هذه المرجعيات ما هو مشبوه، وما ينتمي في غالبيته إلى أعلام الفتنة وإعلامها…

هذا ولم يشهد التاريخ السوري خلافات حقيقية بين المسيحيين والمسلمين، أما أحداث عام 1860ميلادية الشهيرة في ظل الاحتلال العثماني لسورية، فكانت مدبّرة ضمن ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية فرضها التحكُّم الأجنبي بالبلاد، وقد نفّذها مجرمون ولصوص ورعاع، وأطفأ نيرانها عقلاء البلاد والمستنيرون فيها… وخلال سنوات الأزمة السورية فقد شهدنا محاولات حثيثة لإعادة هذا التاريخ الأسود على يد التنظيمات الإرهابية المرتبطة بدول أجنبية ذات فكرٍ وماضٍ استعماري وبمنظمات صهيونية، فمورست أعمال العنف والقتل والنهب والتهجير ضد المسيحيين السوريين وغيرهم من أتباع طوائف البلاد في أشهر حواضرهم التاريخية من مدن وقرى.

وختاماً فإنه يجدر الحديث عن أن العصور السورية إنما ازداد ألقها في ظل الوئام والعيش النموذجي الذي جمع المسيحيين والمسلمين حتى تاريخه، فشهدت البلاد انطلاقاً من الخلافتين الأموية والعباسية قمة التطوّر في المفهوم الديني، لدرجةٍ شارك فيها الخلفاءُ رعاياهم المسيحيين أعيادَهم في كنائسهم وارتدوا الملابس الدالّة على ذلك، كما أنتجت سورية آنذاك خيرة علومها وعلمائها وفنونها وأدبها، وكان ذلك مزيجاً نوعياً هائلاً من صنوف المعرفة العربية السريانية، ترك آثاره الضخمة إلى يومنا هذا وتعمّم على دول العالم آنذاك، وتمخّض في أوروبا تحديداً عن ولادة عصر نهضتها بعد مخاضات حضارية فاشلة صحّحها سوريّو الأندلس عبر ثمانية قرون.

 

شارك بكتابة تعليق

قم بتسجيل الدخول لكتابة تعليق

أبحث عن ..