سليمان أمين: أزمة الإعلام السوري… واقع ساخر مؤلم

lorette.shamiyeh 4 ايام سليمان,أمين:,أزمة,الإعلام,السوري…,واقع,ساخر,مؤلم
سليمان أمين: أزمة الإعلام السوري… واقع ساخر مؤلم

سليمان أمين

باستثناء بعض اللوحات الفضائية التي تبث السرور في النفس لما تحمله من أغانٍ خالدة وصور وطنية بديعة ورموز مشرقة، فإن ما يطلبه الجمهور السوري من لوحات كثيرة غائبة ومغيّبة بات شبه مستحيل للعرض في تلك الفضائيات، القديم منها والمخضرم والجديد , ولعل دقائق قليلة فقط مع مسؤول إعلامي محلّي تكفي لالتقاط سبب جوهري في فقر حاملات الإعلام السوري بعرض الكامن والمختبئ من الإبداعات السورية في كل مجال، فتوحيد أسلوب الأداء التلفزيوني والمحتوى البسيط والروتيني جداً للبرامج، يتيح لآمر البث مراقبة ما يجري في الاستوديوهات بسهولة تامة، ودون أن يؤثر ذلك على أدائه المكتبي ومتابعته لشؤون الإدارة والمراجعين، بل نجزم أن بإمكانه متابعة حركات شفاه المذيعين وضيوفهم فحسب للاطمئنان على سير العملية التلفزيونية والإذاعية على قدم وساق!

 

شحذ للهمم أم للنفوس؟!

 لقد تركت التغييرات التي طرأت على إعلامنا منذ فترة ليست بالقليلة بصمات غير واضحة المعالم على الفعل الإعلامي السوري، وبدلاً من أن تشحذ الأزمةُ همم الإعلاميين، شحنت نفوسهم من خلال إقصاءات تعسفية لبعض الناجحين اللامعين في عملهم الإعلامي، فبعض موجات “الإف إم” على سبيل المثال تحوّل إلى موجات غناء ودردشة لا طائل منها بعد إفشال وإحباط برامج خدمية معينة، ويمكن القول إن أحد أهم قنوات “الإف إم” الإذاعية خرج عن الخدمة في الهواتف المحمولة بسبب انحدار مستواه بعد التغييرات التي أُجريت فيه، فانقلب بثه إلى شريط كاسيت ممل لا جدوى إعلامية أو ثقافية منه, ولا ريب في أن الأزمة التي تشهدها البلاد منذ سبع سنوات هي خير مقياسٍ لمنسوب العمل الإعلامي ومستواه، فهو إن كان ضعيفاً قبلها، فيجب أن تمنحه الأزمة قوة جبارة، إذ أنه بالأزمات تُختَبر الأمم وتُقاس قدراتها، فما الذي أبداه إعلامنا في الأزمة؟!

 

مستوى الأداء هل هو بمستوى التضحيات؟

لا شك أن التضحيات التي قدّمها بعض أبناء إعلامنا السوري خلال أداء واجبهم الإعلامي، هي تضحيات كبيرة تعكس روح الفداء والإخلاص لديهم، وكان جل من يعمل في مجال تغطية الأحداث –ولا زال- مشروع شهيد وطنٍ وواجب، ويستحق الشهداء منهم التخليد في سجلات الوطن المضيئة، كما يستحق المخلصون من زملائهم كل التحية والتقدير، ولأنهم يدركون أن قيامهم بواجباتهم الوطنية عبر الإعلام إنما قد يقابله تقديم الروح والاستشهاد، فعلى إدارات الإعلام كلها الارتقاء إلى مستوى تلك التضحيات بتقديم الأفضل على الإطلاق.

موضوع التحليل السياسي ومع الأسف الشديد، فبدلاً من اعتماد فضائياتنا السورية منذ مطلع الأزمة وحتى الآن على فريق علمي وثقافي وسياسي متخصص ومتكامل يشرح للناس الأزمة وأبعادها، اعتمدت على مجموعة جلُّها من غير المتخصصين، وقد ثبت ذلك في الآونة الأخيرة من خلال الكشف عن موضوع الخلل في الشهادات العليا للضيوف، وفضلاً عن موضوع الشهادات تلك، فالمستوى المعرفي كان ضئيلاً ولا زال، حيث يحوم بعض الضيوف من المحللين على أفكار ومواضيع بعينها مهما كان الحدث وبمصطلحات تنتمي إلى قوالب جاهزة، وتضاف إلى ذلك أساليب الكلام المستفزة والمبتذلة والمتصنّعة للبعض، وبالرغم من أن الجمهور السوري اكتشف ضعف التحليل السياسي منذ سنوات، إلا أن الموضوع استمر يعاني، وأسهم فيه الكثير من المحللين العرب، وخاصةً أولئك الذين يصلون إلى استوديوهاتنا من نقطة حدود المصنع بعد وجبة غداء ثقيلة متأخرة، حيث يُمضي بعضهم الحلقة في لعق شفاهه أكثر من أن يحركها في مناقشة الحدث! ليملأ المذيع أو المذيعة فراغات الحلقة بكلمات وجمل غير مناسبة، وكأنهم في دردشة على شرفة منزل!

ومن ناحية أخرى، فإن المدقق لعمل كل فضائياتنا  وخاصةً في مجال استضافتها للمتخصصين  يلاحظ إن بعض الضيوف يظهر مرة واحدة فقط وتحديداً في البرامج المباشرة، والسبب معروف وهو باختصار عدم مناسبة حديث المختص لبعض من شاهده، كما ثمة استوديوهات فضائية لدينا مختصة بمحاصرة الضيف المختص وتضييق الخناق على أفكاره، فيبدو في البث المباشر وكأنه يتلو مفاتيح كلام متعثر ومبعثر لا أكثر، بينما يُغلق المذيعون جل أبواب الحديث بطريقة مكشوفة تخلو من كل مسؤولية!…وفي إطارٍ آخر، فثمة الكثير من الحلقات المباشرة لا يُبّث مرة أخرى، هذا فضلاً عن الحلقات المسجلة التي لا يُبث بعضها، وكأن المطلوب في بعض المواضيع هو أن يُصمَد الضيف في الاستديو كعريس غفلة، يستمع إلى الضجيج ويبتسم!

ريبورتاجات الشارع

حتى ريبورتاجات الشارع تعاني من سخافة بعض الطروحات، ومع هذه الحالة فجل المثقفين بات يتحاشى كاميرات الإعلام ويعتبرها ألعاباً صبيانية، لأن من وراءها لا يحترم الآخر أحياناً ولا يفهم ما يقول، ولا نبالغ إن قلنا إن بعض معدّي ريبورتاجات الشارع يداهم المارّة مداهمةً، فتأتي هذه الريبورتاجات وكأنها شبه كاميرا خفية فاشلة، أو لقطات تعيسة لكومبارس عشوائي

أما بعض الريبورتاجات التي عرضها بعض فضائياتنا، فهو لا يرقى لأي مستوى إعلامي من حيث الاستهتار بالمواطن وبساطته أحياناً، ومن خلال مفاجأته بأسئلة تافهة وسمجة بأسلوب المغالطة والخداع، مما يصوّر المواطن من خلال تلك الريبورتاجات وكأنه استيقظ مع أهل الكهف!

معضلة التغطية لبعض الأحداث

 تعتبر تغطية الأحداث وعمل المراسلين الاخباريين اختصاصاً جديداً في الإعلام السوري، ولم يُتقن جيداً بعد، مقارنة مع القنوات ذات القدرة, وبما أن جل مهام تغطية الأحداث لدينا قد اتخذ صفة الرد على شبهات بعض القنوات وادعاءاتها الكاذبة، إلا أن المهمة لم تنجح كثيراً بسبب قلة خبرة المراسلين وفرقاء النقل المباشر والمونتاج الإخباري، وقد انزلق الكثير منهم في مهامه، مما أدّى  ويؤدي إلى بلبلة في استيعاب مهمة الإعلام وهدفه، وقد لاحظنا ذلك في العديد من محاولات الرد على الفبركات الإعلامية، والتي لم ترق إلى المستوى المطلوب.

أما تغطية الجلسات الدولية، وخاصة جلسات التصويت في مجلس الأمن، فخلالها تلجأ قنوات محلية إلى عرض فواصل إعلانية أثناء إلقاء الكلمات الدولية، أو مشاهد غنائية أو كوميدية في بعض الأحيان!… وهذا كله فضلاً عن حالات “هلع” ينقلها بعض القنوات الوطنية مباشرةً لدى تغطية اعتداء إرهابي على المواطنين، مما يترك أثراً سيئاً على المشاهدين في ضرورة استيعاب هذه المرحلة القاسية وتجاوزها.

خاتمة

وختاماً لا زال الأمل معقوداً على إدراج إعلامنا ضمن أولويات البحث عن الأفضل لصالح البلاد، ولكن مع الأسف ينتهي بنا المطاف أحياناً عند المسؤول الإعلامي المباشر، فنجده يشكو كسائر المواطنين، ويتذرّع بالإمكانيات الضعيفة والمحسوبيات والقوانين الجديدة الصارمة والخاصة بضبط الحديث عن قضايا الفساد واختصاره وتخفيفه إلى أقصى الدرجات، مما قد يضطر الإعلاميين المحليين إلى اختراع وابتداع لغة إشارة وتلميح خاصة بمحاربة الفساد، لغة تستعصي على قضاة المحاكم ولا يتمكنون من خلالها اكتشاف حالات قدح أو ذم أو تشهير، ذلك أن سلاح الفاسدين إلى الآن يتلخص في تحويل التُّهم الحقيقية بحقّهم إلى حالات قدح وذم وتشهير ضدهم، وذلك بما يشبه قميص نجاة من كل ورطة … !

 

 

شارك بكتابة تعليق

قم بتسجيل الدخول لكتابة تعليق

أبحث عن ..