هل تؤمن حقاً أني أستطيع مساعدتك؟

lorette.shamiyeh 9 اشهر هل,تؤمن,حقاً,أني,أستطيع,مساعدتك؟
هل تؤمن حقاً أني أستطيع مساعدتك؟

في تحدٍ مع رفاقه، قرَّرَ أحدُ متسلِّقي الجبال تسلُّق أعلى قمةٍ في المنطقة. حذَّره رفاقه من خطورة العمل، وأنَّه لن يستطيع بلوغ القمة قبل حلول الظلام، خاصةً وأن الشتاء قد حلَّ، والبرد اشتدَّ. لكنه لم يأبه لكلامهم، فقد كانت ثقته بنفسه لا حدود لها.

حزم أمره واستعدَّ بالكثير من الجهد والتدريبات... واشترى كل الأدوات اللازمة.. وانطلق.
بدأ يتسلَّق ذلك المرتفع... تقدَّم وتقدَّم، وفي تقدُّمه كان يزداد إعجابُه بنفسه... ويفكِّر باللحظة التي سيواجه فيها رفاقه بزُهوٍ وافتخار. وأثناء كلِّ هذا لم يلحظ أن الظلمة كانت قد أخذت بالانتشار شيئاً فشيئاً. وبعد دقائق أرخى الليلُ ذيوله على سفح ذلك الجبل. لم يُعِر المتسلِّقُ الظلامَ انتباهَهُ، بل تجاهله واستمرَّ بالصعود أعلى فأعلى... حتى خيَّمَ الليلُ على الأرضِ برُمَّتها.

كانت تلك الليلةُ حالكةً وشديدةَ الظلمة، لدرجة أنه لم يكن يستطيع أن يرى حتى ولا إبهامه. لم يكن هناك قمرٌ ولا نجوم... فقط ظلمةٌ حالكة وبردٌ قارس...
فجأة... وقبل القمة بقليل، زلَّت قدمُه، حاول أن يتمسَّك بالحبل ويتماسك. فالأمرُ لم يعد أمرَ تحدٍ وإثبات كفاءة، بل بات أمرَ حياةٍ أو موت. وبعد لحظات وعدة محاولات فشل في تثبيت نفسه، فهوى... سقطَ من أعلى الجبل... سقط مسافة طويلة. وخلال تلك اللحظات القصيرة أثناء سقوطه، عبرت في ذاكرته كل حياته بلمحةٍ من الزمن... وتذكَّر آخر مشهدٍ تعنَّت فيه ولم يستمع إلى نصائح رفاقه... وبدا وكأن الندم قد بدأ يتسرَّب إلى داخله. لكن ما الفائدة؟ ها هو يهوي كورقة خريف انفصلت عن غصنها.

فجأةً... شدَّهُ الحبل الذي كان مربوطاً به... فتوقَّف عن السقوط، لكنه ظلَّ معلقاً بين السماء والأرض. في ذلك الليل الحالك، والبرد القارس، والوحدة القاتلة... نسي كلَّ شيء، إذ لا ينفعُه أيُّ شيء... أحسَّ بحاجةٍ إلى الصراخ... إلى طلب العون... لكن مِن مَن. لا يوجد أحد... وتذكَّر جدَّتَه، التي كانت تقول له في طفولته: "إنَّ الله معنا دوماً في كلِّ مكان. حتى ولو تخلّى عنا كلُّ البشر... يبقى الله حاضراً دوماً بانتظار من يفتح له باب قلبه". لكنَّه تردَّد في طلب العون من الله، إذ أنَّه طالما ناقش وجادل الآخرين حول وجود الله وأهميته في حياة الإنسان... في كلِّ حياته لم يخاطبه ولا مرّة... أفالآن يطلب منه...؟ وإن طلب هل يستجيب؟ أفكارٌ وأفكارٌ أخرى كثيرة تزاحمت في رأسه، وطال النزاع... لكن البرد وإحساسه بالتجمُّد أطفأ كلَّ فكرٍ، إذ لم يعد هناك طاقةٌ للتفكير. وبعد لحظاتٍ، خالَ له فيها أن الموتَ بدأ يقتربُ منه، صرخ بأعلى صوته: ساعدني يا الله... ساعدني يا الله... تبدَّد صدى صرخاتِه في الفضاء الواسع، كان يمعن النظر حوله بقدر ما يسمح له الظلام منتظراً أعجوبةً... ملاكاً... أي شيء. كرَّر صرخاته عدّة مرات... وقبل اليأسِ بقليل أحسَّ بصوتٍ ينبعثُ من أعماقه... من قلبه... يخاطبه لا كما يخاطب البشرُ البشرَ، بل بطريقة سرِّية... سمعه بوضوح لا تشوُّش فيه، كان يقول له: 
هل تؤمن حقاً أني أستطيع مساعدتك؟

ـــ طبعاً... بالتأكيد أومن أنك تستطيع.

ـــ وهل أنت مستعدٌ لتنفيذ ما أطلبه منك؟

ـــ بالطبع، أعدك بذلك.. سأنفِّذ كل ما تطلبه مني، فقط أنقذني من التجمُّد.

ـــ حسناً حسناً... أين وضعت سكينك؟

ـــ إنه هنا... لا بل هنا... آه ها هو.

ـــ استعمل سكينك إذاً واقطع الحبل الذي أنت مربوطٌ به. صُعِقَ الرجل لبرهةٍ... لم يُجِب بأيَّةِ كلمة، ولم يقطع الحبل... بل ظل متمسكاً به بكلِّ قوَّته. في اليوم التالي، وعندما جاء رفاقُه للبحث عنه، وجدوه متجمداً... جثةً هامدة... معلقاً بالحبل، ومتشبثاً به. واستغربوا كيف أنه لم يحرِّر نفسه منه ويقفز إلى الأرض... التي لم يكن بعيداً عنها أكثر من مترين فقط.

شارك بكتابة تعليق

قم بتسجيل الدخول لكتابة تعليق

أبحث عن ..